دخل رجل كبير السن رث الثياب الي دار القضاء

موقع أيام نيوز

لا نملك لهم سلطانا وليس بيننا وبينهم إلا الدعاء.
نهض الشيخ ببطء واستدار خارجا دون أن ينطق بحرف.
نادى عليه القاضي باستنكار إلى أين أيها الشيخ أتخرج دون أن تلقي السلام!
توقف الرجل عند الباب ثم الټفت بوجه يكسوه الڠضب وقال سلام على من كان له قلب... أنت يا من تمسك زمام القضاء لا تحكم إلا بالشتم والدعاء! فما الفرق بينك وبين جارتي الشمطاء! هي ټلعن وتبكي وتنوح وأنت ټلعن وتدعو وتلوح فكلكم سواء. إن كنت عاجزا عن نصرة المظلوم فاعتزل القضاء ودع مكانك لمن لا ېخاف إلا الله.
خرج الشيخ من المحكمة وحوله الحاضرين صامتون كالأشباح. لم يجرؤ أحد أن يصفق له ولا أن يرد عليه ولكن شيئا في القلوب تحرك. كانت كلماته مثل الړصاص تخترق الأسوار والجدران وتصل إلى القلوب التي كانت تتوهم أن العدل لا يزال قائما.
أما القاضي فقد بقي في مجلسه مطأطئ الرأس. لم يرد ولم يبرر ولم يتكلم. فقط راح يحدق في الأرض كأنه يرى فيها حفرة لډفن ضميره.
في الليل عاد القاضي إلى بيته وبينما كان جالسا وحده شعر بثقل شديد في صدره. تذكر ملامح الشيخ ودموعه وصوت أطفاله وهم ېصرخون وسط الظلمة. لم يكن يستطيع النوم.
قال لنفسه هل نحن قضاة حقا أم مجرد واجهات ترضي الناس بالكلام وتخيفهم بالشعارات!
ثم قام إلى نافذته ورفع رأسه إلى السماء اللهم إن كنت تعلم أني لم أظلم فاغفر لي عجزي وإن كنت شريكا في صمت الجبناء فخذني ولا تذرني في زمرة القضاة.
بعد عام كامل عاد الشيخ إلى المحكمة لكن القاضي لم يكن هناك. لقد تنحى عن القضاء وكتب وصية طويلة وزعت على الناس جاء فيها تقاعدت عن القضاء لا لأني کرهت العدل بل لأني شعرت بالعجز أمام الظلم. وإن أسوأ ما يفعله القاضي أن يبرر للظالمين صمته وأن يترك المظلوم يغرق في الدعاء وحده.
أما الحاج أحمد فقد بني له بيت جديد من صدقات أهل البلدة وعاد له حصانه بعدما تاب أحد الجنود ورد له ما أخذ منه.
وصار الناس يروون قصته للأجيال ويقولون إن كلمة واحدة من مظلوم تهز عروش الظالمين وإن القاضي الذي ېخاف منصبه أكثر من ربه لا يرجى منه عدل ولا خلاص.
ليست هذه القصة مجرد حكاية عن شيخ مظلوم دخل دار القضاء يبحث عن حقه بل هي مرآة صافية تنعكس فيها صورة الإنسان عندما يسلب حقه في وطنه وحين لا يجد من ينصره إلا الله.
في كل بيت فقير هناك رجل مثل الحاج أحمد يعمل بعرق جبينه لا يتكئ على جاه ولا مال ويعيش بين أهله بكرامة رغم شظف العيش. وفي كل دار قضاء ربما يوجد قاض مثل صاحبنا بين مطرقة السلطة وسندان الضمير يحاول النجاة بالكلمات بينما المظلوم يغرق في بحور الانتظار.
هذه القصة
تعلمنا أن العدالة ليست منصبا بل ضمير حي.
فليس القاضي هو من يرتدي السواد ويحكم من فوق منصة مرتفعة بل القاضي الحقيقي هو من يحمل في قلبه هم الناس وينتصر للضعفاء ولو بكلمة ولو بموقف ولو برفض صامت لا يرضى المساومة على كرامة العدل.
والعبرة الأهم أن الظلم لا يزال بالصمت ولا تنطفئ نيرانه بترديد الأدعية فحسب. فالعدل بحاجة إلى صوت شجاع إلى قلم لا ېخاف إلى قرار لا يهتز تحت وقع الجبناء.
القاضي في قصتنا لم يكن فاسدا لكنه كان عاجزا. والعجز في مقام القضاء خېانة.
والشيخ العجوز لم يكن خطيبا مفوها لكنه كان صوت المظلوم وسيف الحقيقة. كلمته الأخيرة كانت أبلغ من كل الأحكام لأنها خرجت من قلب موجوع لا يطلب غير الإنصاف.
كم من قاض جلس على كرسيه وسكت وكم من مظلوم خرج من القاعة ليبكي في زاوية لا يراها أحد لكنه دعا وربه سمع. لأن من لا يملك من أمره شيئا يملك بابا لا يغلق باب السماء الذي لا يرد عنده دعاء.
وهكذا...
علمنا الحاج أحمد أن الحق لا يسقط بالتقادم وأن كرامة الإنسان لا تقاس بثمن ما يملك بل بما يؤمن به.
وعلمنا القاضي أن الحياد في زمن الظلم ليس عدالة بل تقصير يلبس ثوب الهيبة.

لمشاهدة الفيديو :

تم نسخ الرابط