ما هي السورة التي ذكر فيه أطول قسم ( حلف) في القرآن؟
5.﴿وَاللَّيلِ إِذا يَغْشاها﴾ حلف بالليل إذا غطّى الاَرض وسترها في مقابل الشمس إذا جلا الاَرض وأظهرها، وربما يتصوّر أنّ الضمير يرجع إلى الشمس، فحلف سبحانه بالليل إذا غطّى الشمس وهو بعيد، فانّ الليل أدون من أن يغطي الشمس وإنّما يغطي الاَرض و من عليها.
والاَفعال الواردة في الآيات السابقة كلها وردت بصيغة الماضي، (تلاها، جلاّها) وإلاّ في هذه الآية فقد وردت بصورة المضارع ﴿يغشاها﴾ فما هو الوجه؟
ذكر السيد الطباطبائي وجهاً استحسانياً وقال: والتعبير عن غشيان الليل الاَرض بالمضارع بخلاف تجلية النهار لها حيث قيل: ﴿وَالنَّهار إذا جَلاّها * وَاللَّيل إِذا يَغْشاها﴾ للدلالة على الحال، ليكون فيه إيماء إلى غشيان الفجور الاَرضَ في الزمن الحاضر الذي هو أوائل ظهور الدعوة الاِسلامية. (4)
6، 7. ﴿وَالسَّماء وَمابَناها﴾، فحلف بالسماء وبانيها، بناء على أنّ "ما" موصولة، وليست مصدرية، بقرينة الآية التالية حيث يحلف فيها بالنفس وخالقها ومسوِّيها، وغلبة الاستعمال على "ما" الموصولة في غير العاقل لم يمنع من استعمالها في العاقل أيضاً، قال سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾. (5)
ولعلّ استعمال "ما" مكان "من" لاَجل أنّ الخطاب كان موجهاً إلى قوم لا يعرفون اللّه بجليل صفاته، وكان القصد منه أن ينزلوا في هذا الكون منزلة من يطلب للاَثر موَثراً فينتقل من ذلك إلى معرفة اللّه تعالى، فعبّر عن نفسه بلفظة "ما" التي هي الغاية في الاِبهام. (6)
وفي ذكر السماء وبنيانها إلماع إلى أنّه يمتنع أن يكون رهن الصدفة، بل لا يتحقق إلاّبصانع حكيم قد أحكم وضعها وأجاد بناءها، خصوصاً بناء الكواكب التي ترتبط أجزاوَها البعض بالبعض، ولولا هذا الترابط لما كان لها تماسك.
8، 9. ﴿وَالاََرْض وَما طَحاها﴾ حلف بالاَرض وطاحيها والطحو كالدحو، وهو البسط، وإبدال الطاء من الدال جائز، والمعنى وسَّعها.
وقد أشار إلى وصف الاَرض في آية أُخرى وقال: ﴿الّذي جَعَلَ لَكُمُ الاََرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً﴾ (7) فحلف سبحانه بالاَرض وبما جعلها لنا فراشاً.
والاَرض كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس وتتبعها في سيرها أينما سارت، وهي الكوكب الخامس من حيث الحجم، والثالث من حيث القرب من بين الكواكب التسعة التي تتكون منها المجموعة الشمسية.
والاَرض تكاد تكون كرة، إلاّ أنّها منبعجة قليلاً عند خط الاستواء ومفلطحة عند القطبين. (8)
10، 11. ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾، فالمراد من النفس هي الروح، قال سبحانه: (أَخْرِجُوا أَنفُسكُمْ) (9) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما في أَنْفُسكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (10)
وقال: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾. (11)
فاذاً المراد من تسويتها إعطاوَها القوى الكثيرة الظاهرة والباطنة، فتسوية النفس هو تعديل قواها من الظاهرة والباطنة، ولو أُريد من النفس الروح والجسم فتسوية الجسم هو إيجادها بصورة متكاملة.
وأمّا تنكير النفس، فلاَنّه أراد كلّنفس من النفوس من دون أن يختص بنفس دون نفس، وربما يحتمل أن يكون التنكير إشارة إلى نفس خاصة، وهي نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعنى الاَوّل هو الاَوضح بقرينة انّه أخذ يحلف بالكائنات الحيّة وغير الحيّة.